اسم التصوف واشتقاقه:

يتبين بما تقدم من توضيح في اسم التصوف وحدّه وموضوعه،: أن التصوف ليس بدعة حادثة في الإسلام، أو أنهامن أعمال أهل الملل والنحل الضالة، تحمَّلها مبتدعةُ الأمة عنهم بعد الفتوحات المباركة، والانفتاح على العالم!! كما يُرَوّج مَن لا خلاق لهم من أهل البِدع؛ وإنما هو خُلاصة التشريع، وصفة كُمَّل العِباد.
وما يتشدق به المبتدعةُ الذين يَدُورون حول اشتقاق اسم ( تصوف )، أو وُرُوْدِه على لسان الشارع، ثم يُغررون العوام به: ساقط لا اعتبار له فشأنه شأن غيره من العلوم التي أحدثت لها أسماء تخصها كالعقيدة والفقه …الخ ، ولا يزيد فعلهم هذا عن كونه دليلاً على عمى هؤلاء واتباعهم أهواءهم؛ إذ لا يُتابعون ما ينكرونه، ليروا أعَلَى حق هم أم على سواه؟! علماً بأن الواجب على العبد: أن لا يحكم على شيءٍ لم يتحقق منه بالحقِّ، بكونه حقاً أو باطلاً. فلا حول ولا وقوة إلا بالله سبحانه وتعالى.
قال ابن خلدون في مقدمتهوهذا العلم ـ يعني التصوف ـ من العلوم الشرعية الحادثة في الملَّة ؛ وأصله أن طريقة هؤلاء القوم لم تزل عند سلف الأمة وكبارها من الصحابة والتابعين ومَن بعدهم طريقة الحق والهداية، وأصلها العكوف على العبادة، والانقطاع إلى الله تعالى، والإعراض عن زخرف الدنيا وزينتها، والزهد في ما يقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه، والانفراد عن الخلق، والخلوة للعبادة، وكان ذلك عامَّاً في الصحابة والسلف. فلما فشا الإقبال على الدنيا في القرن الثاني وما بعده، وجنح الناس إلى مخالطة الدنيا، اختص المقبلون على العبادة باسم الصوفية) [“مقدمة ابن خلدون” علم التصوف ص 329].
وإِن كان المعترضون ينكرون هذه التسمية: [الشريعة، والطريقة، والحقيقة] فنقول لهم: هذا تعبير درج عليه العلماء، وجرى عليه الفقهاء كما بيَّنا وهو اصطلاح، ولا مشاحة في الاصطلاحات.
قال صاحب “كشف الظنون” في حديثه عن علم التصوف: (ويقال: علم التصوف علم الحقيقة أيضاً، وهو علم الطريقة، أي تزكية النفس عن الأخلاق الردية، وتصفية القلب عن الأغراض الدَّنية. وعلم الشريعة بلا علم الحقيقة عاطل، وعلم الحقيقة بلا علم الشريعة باطل.
علم الشريعة وما يتعلق بإِصلاح الظاهر بمنزلة العلم بلوازم الحج. وعلم الطريقة وما يتعلق بإِصلاح الباطن بمنزلة العلم بالمنازل، وعقبات الطريق. فكما أن مجرد علم اللوازم، ومجرد علم المنازل لا يكفيان في الحج الصوري بدون إِعداد اللوازم وسلوك المنازل، كذلك مجرد العلم بأحكام الشريعة وآداب الطريقة لا يكفيان في الحج المعنوي، بدون العمل بموجبيهما) [كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، لحاجي خليفة ج1. ص413].
وأورد صاحب “كشف الظنون” في حديثه عن علم التصوف كلاماً للإمام القشيري قال فيه: (اعلموا أن المسلمين بعد رسول الله لم يَتَسمَّ أفاضلهم في عصرهم بتسمية عِلْمٍ سوى صحبة الرسول عليه الصلاة والسلام، إذ لا أفضلية فوقها، فقيل لهم الصحابة، ثم اختلف الناس وتباينت المراتب، فقيل لخواص الناس ـ ممن لهم شدة عناية بأمر الدين ـ الزهاد والعُبَّاد، ثم ظهرت البدعة، وحصل التداعي بين الفرق، فكل فريق ادعوا أن فيهم زهاداً، فانفرد خواص أهل السنة المراعون أنفسهم مع الله سبحانه وتعالى، الحافظون قلوبهم عن طوارق الغفلة باسم التصوف، واشتهر هذا الاسم لهؤلاء الأكابر قبل المائتين من الهجرة) [“كشف الظنون” عن أسماء الكتب والفنون، لحاجي خليفة ج1/ص414].

 

دعوى مخالفة الحقيقة للشريعة :

هذه دعوى باطلة ؛ لأن التصوف مستمد من : القرآن والسنة.
قال الإمام الجنيد رضي الله عنه (297 هـ):” علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة “ا.هـ
وقال الإمام سَرِيُّ السَّقَطِي رضي الله عنه (253 هـ):” المتصوف لا يتكلم بباطن في علم ينقضه عليه ظاهر الكتاب أو السنة “اهـ
وقال إبراهيم النصر آباذي رضي الله عنه (369 هـ):” أصل التصوف: ملازمة الكتاب والسنة، وترك الأهواء والبدع، وتعظيم حرمات المشايخ .. “اهـ
وقال أبو سليمان الدَّاراني رضي الله عنه (215 هـ ):” ربما يَقعُ في قلبي النّكتة من نُكت القومِ أياماً، فلا أقبلُ منه إلا بشاهِدَينِ عدلين: الكتاب، والسنة “اهـ
وقال الإمام ذو النون المصري رضي الله عنه (245 هـ):” من علامات المحب لله : متابعة حبيب الله في أخلاقه وأفعاله وأوامره وسُننه “اهـ
وقال الإمام أبو يزيد البسطامي رضي الله عنه (180 – 261 هـ):” لو نظرتم إلى رجل أعطي من الكرامات حتى يرتقي في الهواء، فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند: الأمر والنهي، وحفظ الحدود، وأداء الشريعة “اهـ
وقال الشيخ عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه (561 هـ): (كل حقيقة لا تشهد لها الشريعة فهي زندقة. طِرْ إِلى الحق عز وجل بجناحي الكتاب والسنة، ادخل عليه ويدك في يد الرسول ) [“الفتح الرباني” للشيخ عبد القادري الجيلاني ص29].
وقال الشيخ عبد الوهاب الشعراني رحمه الله تعالى(973هـ): (إِن طريق القوم محررة على الكتاب والسنة كتحرير الذهب والجوهر، فيحتاج سالكها إِلى ميزان شرعي في كل حركة وسكون) [“لطائف المنن والأخلاق” للشعراني ج1. ص2].
وقال أيضاً: (إِن حقيقة طريق القوم علم وعمل، سداها ولحمتها شريعة، وحقيقة، لا أحدهما فقط) [“لطائف المنن والأخلاق” للشعراني ج1 ص25].
وقال أيضاً: (فَمَنْ دقَّق النظر عَلِمَ أنه لا يخرج شيء من علوم أهل الله تعالى عن الشريعة. وكيف يخرج والشريعة صلتهم إِلى الله عز وجل في كل لحظة) [“التصوف الإِسلامي والإِمام الشعراني” لطه عبد الباقي سرور ص71].

وعلى هذا: فمن ادَّعى علماً أو فعلاً مخالفاً للشرع، ثمَّ انتسب إلى التصوف، فهو كذاب، والتصوف بريء منه.

 

دعوى أن الصوفية يسقطون التكاليف:

هذه الدعوى منقوضة بالإجماع ، فقد نقل الإمام تاج الإسلام الكلاباذي (380 هـ)الإجماع على عدم سقوط التكاليف عن أحدٍ فقال:” أجمع الصوفية: أن جميع ما فَرَض اللهُ تعالى على العباد في كتابه، وأوجبه رسول الله : فرضٌ واجِبٌ، وحتم لازمٌ على العُقلاء البالغين، لا يجوز التخلف عنه، ولا يسع التفريط فيه بوجه من الوجوه لأحدٍ من الناس: مِنْ صِدِّيقٍ ووليٍّ وعارِفٍ، وإن بلغَ أعلى المراتب، وأعلى الدَّرجات، وأشرف المقامات، وأرفع المنازل “اهـ[ التعرف: 58 – 59 ]، وكذا نقل غيره من المدونين لعلم التصوف رضي الله تعالى عنهم.
ومن كلامهم: قول الشيخ أحمد النوري رضي الله تعالى عنه:” مَن رأيته يدَّعي مع الله تعالى حالاً يخرجه عن حدِّ العلم الشرعي فلا تقرَبَنَّ منه “اهـ
ومع بيان هذا الأمر، يظهر: أن الأعمال تزداد بازدياد الدرجات وارتفاع المقامات، فيبطل ما ينسبه بعض المبتدعة إلى الصوفية : أنهم ينتهون إلى رفع التكليف!! كيف! ومدار العبادة على الأعمال الظاهرة والباطنة؟!
تنبيه: قد يطلق الصوفية هذه العبارة (إسقاط التكاليف) ويريدون رفع الكلفة (أي: المشقة ) في الأعمال، كما قال سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليهم وسلم : { أرحنا بها يا بلال }، فيختلط على الجاهل بأحوالهم وأقوالهم الأمر، ويظن بهم الظنون!!
وبهذا يتبين بطلان شبهة العصمة في مباشرة المحرمات، التي ينسبها المبتدعة إلى الصوفية .
قال الإمام الكلاباذي رضي الله عنه :” أجمع الصوفية: أنه لا مقام للعبد تسقط معه آداب الشريعة: من إباحة ما حظر الله، أو تحليل ما حرَّم الله، أو تحريم ما أحل اللهُ، أو سقوط فرض من غير عُذر ولا عِلَّة: ( والعُذر والعِلة: ما أجمع عليه المسلمون، وجاءت به أحكام الشريعة ). ومَن كان أصفى سِرّاً، وأعلى رُتبةً، وأشرفَ مقاماً: فإنه أشد اجتهاداً، وأخلص عملاً، وأكثر توقياً “اهـ[ التعرف: 59 ].
وقال الإمام إبراهيم النَّصْرَاباذِيُّ رضي الله عنه (367 هـ):” ما دامت الأشباح باقية، فإن الأمر والنهي باقٍ، والتحليل والتحريم مخاطبون به، ولن يجترئ على الشبهات إلا مَن تعرَّض للحُرُمات “اهـ
وسئل الإمام أبو علي الروذباري رضي الله عنه (322 هـ) عمَّن يسمع الملاهي، ويقول: هي لي حلال؛ لأني قد وصلت إلىدرجة لا يؤثِّر فيَّ اختلاف الأحوال؟! فقال:” نعم!! قد وصّلَ لَعَمْري: ولكن إلى سَقَر “ا.هـ.

دعوى عدم الخوف والرجاء عند الصوفية :

ذمُّ المبتدعةِ الصوفيةَ في طلبهم الله تعالى لِذاتِه وقولهم:” ما عبدناك خوفاً من نارك، ولا رجاء بجنَّتك “: إنما هو محض الجهل المُركب؛ لأن ذلك لا يعني عدم خوف ورجاء لنفس الأمر، وإنما معناه: أن الخوف والرجاء لم يكونا شرطَ العِبادة أو سببها، ولا وجهاً من ذلك فيها، وذلك قول الله تعالى: { واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعَشِي يُريدون وجهه }، وقوله تعالى: { ومن الناس من يشتري نفسَه ابتغاء مرضاة الله }.
وقد قال الله تعالى: { نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم، ولكم فيها ما تدعون }، والمقصود ـ بالنسبة للسادة الصوفية ـ: فلا تُردون إلى معنى سوانا في الدنيا والآخرة، رغم ما ستنالونه من نعيم أخروي تتمناه النفوس وتباشره عن شهوة؛ إذ تلك الدار يكون الاشتغال فيها بتلك الأمور نعمة من كل وجه بعد انقطاع الفتن، وقد تكفل الله تعالىأنه جمعها لهم دون أن تصرفهم عنه جل جلاله، كما هو حال أمثال بعضها في الحياة الدنيا.
لذلك قيل:” إن لله تعالى عباداً لو حَجَبَهُم في الجنة عن رؤيته، لاستغاثوا من الجنَّة كما يستغيث أهل النار من النار “ا.هـ.
وليت شعري! أي عوض يطلبه بالعمل من عرف الحقيقة وسمع قول الله تعالى: { إن الله اشترى منَ المؤمنين أنفسهم وأموالهم }؟!
بل أي عوض يطلبه على أعمال توجب له الحياء والاستغفار في صفة فعلها؟!! قال الإمام إبراهيم النَّصْرَاباذِيُّ رضي الله عنه :” العباداتُ إلى طلب الصّفحِ والعفو عن تقصيرها، أقرب منها إلى طلب الأعواض والجزاء بها “ا.هـ.
وأسمى مقاصد الصوفية أن يرتقوا بإخلاصهم إلى أرفع الدرجات ويعبدوا الله مبتغين وجهه دون أن يقصدوا ثواباً:
فما مقـصودهم جنات عَدْنٍ ولا الحورُ الحسانُ ولاالخيـامُ
سوى نظرِ الجليل وذا مُناهم وهذا مقـصدالقـوم ا لكـرامُ
كما قالت رابعة العدويةرضي الله عنها : (ما عبدتك خوفاً من نارك ولا طمعاً في جنتك، وإنما عبدتك لذاتك). فلو لم يكن ثَمَّة ثواب ولا عقاب، ولا جنة ولا نار، لَمَا تأخروا عن عبادتهم ولما انثنوا عن طاعاتهم لأنهم يعبدون الله لله، ولأن أعمالهم تصدر عن قلب عَمَّرَه حبُّ الله وحده، وطلبُ قربه ورضوانه، بعد أن أدركوا نعمه وآلاءه، وذاقوا بِرَّه وإحسانه.
وليس معنى هذا أنهم لا يحبون دخول الجنة، ولا يرغبون في البعد عن النار ـ كما فهم بعض الحمقى من أعداء التصوف ـ [فإن بعضهم أخذ يندد بكلام رابعة العدوية، واتهمها بأنها فقدت الرغبة والرهبة. وهذا جهل ومغالطة فإنها لم تخرج عن حدود الرغبة والرهبة، ولكنها سَمَتْ بهما وارتفعت، فكانت رغبتها في رضاء الله وقربه وحبه، ورهبتها من غضبه وبعده، فكلما عظم إيمان المرء ازدادت رهبته وسمَت رغبته، وكم كانت رابعة كثيرة البكاء والخوف والنحيب ؟!] فهم يكرهون النار ويخافونها لأنها مظهر سخط الله وغضبه ونقمته، ويحبون الجنة ويطلبونها لأنها مظهر حب الله ورضاه وقربه، كما قالت آسية زوجة فرعون: {ربِّ ابنِ لي عندكَ بيتاً في الجَنَّةِ} [التحريم: 11]. فهي قد طلبت العِنْدية والقُرب قبل أن تطلب الجنة، طلبت الجوار قبل الدار.
وما حُبُّ الديارِ شَغَفْنَ قَلبي ولكن حب من سكن الديارا
ولم تكن رغبتها في الجنة إلا لنوال الحب والقرب والرضا منه تعالى.
وهكذا عندما ترتفع همة العبد وتسمو غاياته يَتَرَفَّع عن ملاحظة لذائذه البدنية ومنافعه الشخصية، سواء كانت دنيوية أم أخروية، ويبغي في جميع عباداته الحب والقرب، والتحقق بالعبودية الخالصة، فعلى قدر همة العبد يكون مطلبه.
ولا نقصد من هذا أن الذي يبغي من طاعاته وعباداته النعيم الأخروي والتمتع بلذائذ الجنة، أو الخلاصَ من عذاب النار، أنه منحرف ضال، ولا ندَّعي أنه محروم من وعد الله ؛ بل هو مؤمن طائع صالح، إلا أن مرتبته أدنى من مرتبة أولئك الذين سمت نياتهم، وارتفعت هممهم في إخلاصهم لربهم.
قال الإمام السيوطي رحمه الله تعالى: (القيامُ بالأوامر والنواهي لله وحده، لا لجلب ثواب ولا لدفع عقاب، وهذا حال من عبدَ الله لله، خلافُ من عبدَ الله للثواب وخوف العقاب، فإنما عَبَدَ لِحَظِّ نفسه، وإن كان هو محباً أيضاً، لكنه في درجة الأبرار، وذاك في درجة المقربين) [“تأييد الحقيقة العلية” للإمام السيوطي ص61].
وقال الشيخ أحمد زروق رحمه الله تعالى: (تعظيم ما عظَّم الله متعيِّن، واحتقار ذلك ربما كان كفراً، فلا يصح فَهْمُ قولهم: [ ماعبدناه خوفاً من ناره ولا طمعاً في جنته]على الإطلاق إما احتقاراً لهما ـ وقد عظمهما الله تعالى ـ فلا يصح احتقارهما من مسلم، وإما استغناء عنهما ولا غنى للمؤمن عن بركة مولاه. نعم لم يقصدوهما بالعبادة بل عملوا لله تعالى لا لشيء، وطلبوا منه الجنة والنجاة من النار لا لشيء. وشاهد ذلك في قوله تعالى: {إنَّما نُطعِمُكم لوجهِ اللهِ} [الإنسان: 9] إذ جعل عِلَّة العمل إرادة وجهه تعالى) [“قواعد التصوف” ص76].

دعوى الانشغال عن القرآن :

دعوى أن أعمال الصوفية رضي الله عنهم تشغلهم عن كتاب الله تعالى كما يُروِّج بعض المبتدعة!! ما هو إلا محض افتراء؛ كيف وكتاب الله تعالى دستورنا وقربة يُتقرب إلى الله تعالى به؟!
قال أحمد بن أبي الحواري رضي الله عنه (230 هـ):” إني لأقرأ القرآن، فأنظُرُ في آية، فيَحارُ عقلي فيها، وأعجب من حُفَّاظ القرآن: كيف يَهنيهم النومُ، ويسعُهم أن يَشْتَغلوا بشيءٍ من الدنيا، وهم يتلون كلام الرحمن؟! أما لو فهموا ما يتلون، وعرفوا حقّه، وتلذَّذوا به، واستَحْلُوْا المُناجاة به، لذهب عنهم النومُ؛ فرحاً بما رُزقوا ووُفِّقوا “ا.هـ.
دعوى أن التصوف يخذل عن العلم :

هذه دعوى باطلة آثمة ؛ إذ كيف يقال ذلك والعلم أساس الأعمال وإمامها ومصححها، فكما أنه لا فائدة للعلم بلا عمل، كذلك لا ينفع عمل بلا علم…
فالعلم والعمل توأمان لا ينفكان عن بعضهما، والسالك في طريق الإيمان والتعرف على الله تعالى والوصول إلى رضاه لا يستغني عن العلم في أية مرحلة من مراحل سلوكه.
ففي ابتداء سيره لا بد له من علم العقائد وتصحيح العبادات واستقامة المعاملات، وفي أثناء سلوكه لا يستغني عن علم أحوال القلب وحسن الأخلاق وتزكية النفس…
ولهذا اعتُبِرَ اكتساب العلم الضروري شرطا في المنهج العملي للتصوف، إذ ليس التصوف إلا التطبيق العملي للإسلام كاملاً غير منقوص في جميع جوانبه الظاهرة والباطنة.
ففي الخبر: { من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم }، { من تعلّم فعمل، علمه الله ما لم يعلم }، قال المناوي رضي الله تعالى عنه:” أي: العلم اللدني الذي هو موهبة من الله يدرك به العبد ما للنفس من الحظوظ والفرض، وما للحق من الحقوق والمفترض، فيترك ما لها من الحظوظ ويقوم بما للحق من الحقوق ..
وقد ثبت أن دقائق علوم الصوفية: منح إلهية، ومواهب اختصاصية، لا تنال بمعتاد الطلب ..
قال يحيى بن معاذ: التقى ابن أبي الحواري وأحمد بن حنبل فقال أحمد حدثنا بحكاية سمعتها من أستاذك الداراني؟ فقال: .. سمعته يقول: إذا اعتقدت النفوس على ترك الآثام جالت في الملكوت وعادت إلى ذلك العبد بطرائف الحكمة من غير أن يؤدي إليها عالم علماً. فقام أحمد وقعد ثلاثاً، وقال سمعت في الإسلام بحكاية أعجب من هذه ثم ذكر حديث { من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم }. قال التونسي: اجتمع العارف علي وفا والإمام البلقيني، فتكلم عليّ معه بعلوم بهرت عقله، فقال البلقيني: من أين لك هذا يا علي؟ قال: من قوله تعالى { اتقوا الله ويعلمكم الله } .. “ا.هـ.
وكان الإِمام أحمد رحمه الله تعالى قبل مصاحبته للصوفية يقول لولده عبد الله رحمه الله تعالى: (يا ولدي عليك بالحديث، وإِياك ومجالسة هؤلاء الذين سموا أنفسهم صوفية، فإِنهم ربما كان أحدهم جاهلاً بأحكام دينه. فلمَّا صحب أبا حمزة البغدادي الصوفي، وعرف أحوال القوم، أصبح يقول لولده: يا ولدي عليك بمجالسة هؤلاء القوم، فِإِنهم زادوا علينا بكثرة العلم والمراقبة والخشية والزهد وعلو الهمة) [“تنوير القلوب” ص405 للعلامة الشيخ أمين الكردي المتوفى سنة 1332هـ].

دعوى أن الانشغال بالتصوف يعطل الكسب الدنيوي واتخاذ الأسباب :
ما يشتبه على البعض: أن اشتغاله بأعمال الصوفية ، بل والبعض يشتبه عليه أن الاشتغال بأعمال الإسلام جملة: يضيع عليه دنياه، ويعيق له منافعها!! ما هي إلا شبهة ساقطة؛ كيف وشأن تلك الأعمال تنظيم السلوك والحياة على وِفق مكارم الأخلاق؟!
يقول الإمام الحارث المحاسبي رضي الله عنه (243 هـ):” خِيار هذه الأمة: الذين لا تَشْغَلُهم آخرتُهم عن دُنياهم، ولا دنياهم عن آخرتهم “ا.هـ.
فدعوى تعطل الصوفية عن الكسب واتخاذ الأسباب!! لا تقل عن سابقاتها:
قال تاج الإسلام الإمام الكلاباذي رضي الله عنه :” أجمع الصوفية على إباحة المكاسب (من الحِرَف والتجارات والحرث وغير ذلك ) مما أباحته الشريعة، على تيقظ وتثبت وتحرز من الشبهات .. وهي عندهم واجبة لمن رُبِط به غيرُه ممن يلزمه فرضه “ا.هـ.[ التعرف: 85 ]
وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: (ذهب المحققون من الصوفية إلى ضرورة السعي فيما لا بد منه، ولكن لا يصح عندهم التوكل مع الالتفات والطمأنينة إلى الأسباب، بل فعل الأسباب سنة الله وحكمته، والثقة بأنها لا تجلب نفعاً، ولا تدفع ضراً، والكل من الله) [“دليل الفالحين” ج2 ص3].
وقال الشيخ إبراهيم غنيم رضي الله عنه :” على المريد أن يعمل .. فلا يجوز له أن يقعد حتى تأتيه العطايا أو الصدقات “ا.هـ.
ومعلوم أن الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل. قال الإمام القشيري رحمه الله تعالى: (التوكل محله القلب، والحركة بالظاهر لاتنافي التوكل بالقلب، بعد ما تحقق العبد أن التقدير من قبل الله تعالى، وإن تعسر شيء فبتقديره، وإن اتفق شيء فبتيسيره) [“الرسالة القشيرية” ص76].

دعوى أن التصوف يرفع رتبة الأولياء فوق الأنبياء:

ما يشيعه أهل البدع من المنتسبين إلى التصوف الإسلامي وخصومه : من أن الصوفي يرتقي فضلاً فوق الأنبياء والمرسلين!! ما هو إلا بهتان يوجب الحرمان والخسران؛ قال الإمام السلمي :” ابتداء المقامات والمراتب: الصلاح، وانتهاؤه: الصِّدِّيقية. والنبوة والرِّسالة منقطعان عن أحوال الخلائق، ومباينان لها؛ لأن لهم كمال الأحوال، والخلق يمرّون على حواشيها “ا.هـ[ تسعة: 151 – 152 ].
وقال الإمام الشبلي رضي الله عنه :” رفع اللهُ قَدْرَ الوسائط بعلو هِممهم، فلو أجرى على الأولياء ذرَة مما كشف للأنبياء لبطلوا وتقطّعوا “اهـ.

دعوى أن التصوف إهمال للعقل والنقل :

دعوى أن التصوف إهمال للعقل والنقل!! افتراء وإفك مبين؛ إذ أقلّ ما يُقال فيها: أنها رأس مساوئ الأخلاق، فكيف تكون مقبولةً فضلاً عن أن تكون أصلاً في التصوف ؟!!
والتصوف بريء ممن ينتسب إليه ممن سوَّلت له نفسُهُ أو سواها بتجاوز أدلة الدين ومخالفة أحكامه : براءة سائر الأركان ممن أحدث فيها ما ليس منها؛ فقد قال الله تعالى: { وما أُمِروا إلا لِيَعبدوا اللهَ مُخْلِصِيْن له الدِّيْنَ }، وإخلاص الدِّين: لا يتحقَّقُ بتجاوز أدلته وأحكامه، وقال سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم: { مَن أحْدَثَ في ديننا ما ليس مِنْه: فهو رَدّ }.
فالمخالفات المَنْسُوبَة إلى التَّصوفِ أو المُشَاهدة عند بعض المُنْتَسِبِيْنَ إليه: إنما هي منهم لا منه، مردودة عليهم عقلاً ونقلاً وتصوفاً.
كما أنَّ التصوف لا يستقيم لعبد بلا عقل؛ إذ هو وإن كان لإصلاح القلوب لتأثيرها على صلاح كافة الأعمال، إلا أنه لا يقوى على المجاهدة لإصلاحها وحفظها بلا عقل راشد بالعلم الصحيح، فلا يذوق حلاوة الإسلام وأعماله بحق إلا من صلح ظاهره وباطنه علماً وعملاً.

منقول

Advertisements